عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

266

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

الذبياني ، وما قال الشعر إلا قليلاً ، والنابغة الجعدي قال الشعر ثلاثين سنة ثم نبغ ، فالشعر الأول من قوله جيد بالغ ، والآخر كأنه مسروق ، وقال : تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة ، وكان يكابر ، وأما جرير فله ثلاثمائة قصيدة ، وما علمت سرق شيئاً قط إلا نصف بيت ، ولا أدري لعله وافق شيء شيئاً . قلت : يعني أشاروا إليه في قولهم : قد يقع الحافر على الحافر . رجعنا إلى ذكر المتنبي : ذكروا أنه مدح عدة ملوك ، وقيل إنه وصل إليه من ابن العميد ثلاثون ألف دينار ، ومن عضد الدولة صاحب شيراز مثلها . وأما تلقبه بالمتنبي ، فذكروا أنه ادعى النبوة في بادية السماوة ، وتبعه خلق كثير في تلك الناحية من كلب وغيرهم ، فعند ظهور هذه الدعوى العظيمة التي تكذبها الآية الكريمة والأحاديث الصحيحة وإجماع الأمة بالأقوال الصريحة ، خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيذ ، فأسره ، وتفرق أصحابه ، وحبسه طويلاً ثم استتابه ، وأطلقه وقيل غير ذلك ، قالوا وادعاء النبوة أصح . ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان في سبع وثلاثين وثلاثمائة ، ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلاثمائة ، فمدح كافوراً الإخشيذي ، وكان يقف بين يديه وهو محتمل بسيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه ، وهما بالسيوف والمناطق ، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلاثمائة ، ووجه كافور في طلبه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق ، وكان كافور قد ولاه بولاية بعض أعماله ، فلما رأى تعاطيه في شعره السمو بنفسه خافه ، وعوتب فيه فقال : يا قوم من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أما يدعي المملكة مع كافور الإخشيذي . فحسبكم . قال أبو الفتح بن جني : كنت أقرأ ديوان أبي الطيب عليه ، فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها : ألا ليت شعري هل أقول قصيدة * ولا أشتكي فيها ولا أتعتب وفيما يدور الشعر عني أقله * ولكن قلبي يأتيه القوم قلب قال : فقلت له تغر علي كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة ؟ فقال : حذرناه وأنذرناه فما نفع ، ألست القائل فيه : أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك * ولا تعطين الناس ما أنت قائل فهذا الذي أعطاني كافور بسوء تدبيره وقلة تميزه . وكان لسيف الدولة مجلس بحضرة العلماء كل ليلة يتكلمون بحضرته ، فوقع بين